ماذا علمتني الحياة ؟
2011/08/28
اسم الكتاب : ماذا علمتني الحياة ؟
المؤلف : جلال أمين
دار النشر : دار الشروق
سنة النشر :2007
كما قلت في كتاب رحلة عبر الزمن لزويل ، بأن تلخيص السير الذانية أو الروايات هي مهمة صعبة ، لأن في الغاب تكون السيرة محبوكة بخيوط يصعب علينا أن نفكها .
لكن برأيي أن الاقتباسات تظهر خلاصة الكتاب “إلى حد ما” من وجهة نظري .
كتاب أمين أعتبره من أجمل و أحسن الكتب التي قرأتها ، طبعا من ناحية السير و تحليل الإنسان ، فهي ليست سيرة ذاتية بمعناها اللغوي ، فقد تعرّض أمين في كتابه لسيرة أكثر من عشرة أشخاص من أسرته و أصدقائه و السياسين و الكُتّاب الذين عاشرهم . فكلما تكلم عن مرحلة في حياته فهو لا يقتصر على ذاته فقط ، ولكن يذكر ما حدث لأخيه و أبيه و أمه و لهذا الكاتب و ذاك البوَّاب . يقارن البداية و النهاية و طريقة العيش و نظراتهم للحياة و نظرته هو للحياة ، فتكاد تكون سيرته هي مجموعة سير لأناس عاشوا في بيئات متشابهة أو مختلفة ، ولكن انتهوا لنهايات مختلفة أو متشابة …
أتوقع كتاب (ماذا علمتني الحياة ؟) لا تقتصر مهمته على فهم جلال أحمد أمين وحده ، بل تتعداها إلى فهم مجموعة كبيرة من البشر ، و إلى فهم جانب كبير من الإنسان .
من أجمل الإقتباسات في الكتاب :
1. ((لا يجب أن يتوقع أحد أن يكون بحوزتي صورة لأبي و أمي يوم زواجهما ، يبتسم فيها الزوج لزوجته كما يفعل الناس هذه الأيام. لدي بالفعل صورة لأبي يوم زواجه ، ولكنها له وحده ، فقد ذهب بمفرده إلى المصور بعد إتمام الزواج ، فالتقط له المصور صورة ، وبدلا من الزوجة استند أبي بيده إلى بضعة كتب ، و كتبَ خلف الصورة ، التي لا تزال في حوزتنا ، أنه اختار الكتاب رمزا أو شعارا ، كما كتب أيضا وراء الصورة “أرجو من الله أن يوفقني إلى عمل عظيم أنفع به أمتي” . وقد وفقه الله إلى ذلك فعلا ، و لكن المهم الآن أنه لم يشر فيما كتبه وراء الصورة ، ولو إشارة عارضة ، إلى أمي التي كان قد عقد لتوه زواجه عليها .)) ص24
.
.
2. ((إن التفسير الذي أميل إليه أكثر من غيره لهذا الطموح القوي عند أبي ، ومنذ وقت مبكر ، إلى القيام “بعمل عظيم في نقع أمته” ، كان أبي من أسرة شعبية متوسطة الحال ، ولكنه كان بلا شك “أرستقراطي” الأخلاق و الحس . كان دائم التساؤل عن الموقف الأخلاقي الصحيح ، وكأن المسائل كلها و أمور الحياة كلها تتحول عنده في نهاية الامر إلى مشكلات أخلاقية . إنه يستقيل من وظيفة رفيعة لدى أي اعتداء طفيف على كرامته ، و يقف ضد السلطة إذا رآها ظالمة ، ويرفض منصبا خطيرا إذا اعتقد أنه ليس أهلا له .)) ص25
.
.
3. ((قد أصبح من الواضح لي الآن أن مشكلتنا ليست هي الاختيار بين الاشتراكية و الرأسمالية ، بل هي مشكلة الديكتاتورية و الديموقراطية ، وأننا لسنا في حاجة إلى المزيد من الاشتراكية بل إلى المزيد من الحرية.)) ص189
.
.
4. ((إن الحرمان المادي في الصغر أمر خطير للغاية إذ يترتب عليه في الغالب مادية مفرطة في الكبر . هكذا كنت أميل دائما ، كلما رأيت شخصا يسيطر عليه حب المال ، إلى البحث عن سبب ذلك في ظروف نشأته ، و كلما وجدت شخصا كريما سخيا و مستعدا للتضحية بالكسب المادي من أجل فكرة أو مبدأ افترضت على الفور أنه لم يصادف حرمانا في صباه.)) ص215
.
.
5. ((لقد تبلد الإحساس و وصل مفعول المخدر إلى المخ ،وكان لابد أن نبحث عن شيء ننشغل به بدلا من كل تلك المشاكل اليومية التي كانت تشغلنا في بلد حقيقي كمصر. أو ليس الكويت بلدا حقيقياً؟ قال لنا مرة أستاذ مصري ظريف ممن عاشوا في الكويت مدة طويلة: إن الكويت تذكره بما كنا نفعله أحيانا و نحن أطفال إذا يقول أحدنا للآخر : “تعال لعب مدرسة!” أو “تعال نلعب دكتور و مريض!” هكذا الكويت ، في نظر الأستاذ ، مجموعة من الناس قرروا أن يلعبوا ، أو قرر لهم أحد أن يلعبوا ، فأنشأ دولة لها علم و سلام وطني ، وحكومة و برلمان ، وجامعة و مستشفيات ، وبوليس و محاكم … إلخ .)) ص243
.
.
6. ((الشيئ الغريب حقاً، وهو ما قد يصعب أن يدركه من لم يعش في مكان كالكويت لفترة طويلة ، هو أن القراءة ، التي كانت تشغل جزءاً كبيرا من وقتنا في القاهرة ، أو حتى الاستماع إلى الموسيقى ، وهما ما قد تظن أنك لابد أن تمارسهما بدرجة أكبر في بلد كالكويت ، حيث لديك الوقت الكافي لأن تفعل أي شيء ، سوف تجد نفسك أقل رغبة بكثير في ممارستهما مما كنت من قبل. أظن أن السبب هو أنه كما أنك لا تستطيع القراءة أو الاستماع إلى الموسيقى بسهولة في مكان صاخب يعج بالحركة والضوضاء ، أو إذا لم تكن تشعر بدرجة كافية من الراحة ، كما لو كنت في مكان شديد البرودة أو شديد الحرارة ، إذا كان كل هذا قد يمنع من استغراقك في القراءة أو يضعف من رغبتك في الاستماع إلى الموسيقى ، فإن العكس بالظبط قد يؤدي إلى نفس النتيجة )) ص245
.
.
7. ((تبين لي بوضوح تام أن الزيادة الكبيرة التي حدثت في أسعار النفط لا تعني بالمرة زيادة حقيقية في قدرة العرب على تحقيق آمالهم ، وأن القول بأن هذه الزيادة في أسعار النفط تمثل فرصة ذهبية للعرب لتحقيق نهضتهم المرجوة ، كلام لا أساس له من الواقع ، طالما استمر فقدان العرب لإرادتهم و عجزهم عن اتخاذ أي قرار مهم دون استئذان غيرهم . أما فقدان الإرادة و العجز عن اتخذا قرار دون استئذان فلابد أنه يرجع إلى أسباب سياسية “بل نفسية أيضا” لا علاج له إلى بمواجهة أسبابه ، أي أن العلاج لابد أن يكون أيضا سياسياَ و نفسياً.)) ص249
.
.
8. ((النموذج الأمريكي موجه في الأساس لخدمة الرجل العادس و المرأة العادية ، متوسطي الذكاء و الخيال و الخلق ، وهذا في رأيي هو السبب الحقيقي وراء انتشار النمط الأمريكي في الحياة ، في مختلف بقاع الأرض ، انتشار النار في الهشيم ، وهذا هو سر جاذبيته . ولكن الوجه الآخر لهذا النجاح هو ما تتسم به الثقافة الامريكية بوجه عام من تراجع مختلف أنواع الثقافة الرفيعة أمام ذلك التيار الكاسح الذي يخاطب أكثر نوازع الإنسان سطحية ، والاستعداد للتضحية بالكيف لحساب الكم ، و إهمال ما لا يمكن قياسه وحسابه بالأرقام لصالح التقدم المادي البحت الذي يمكن قياسه و حسابه.)) ص265
.
.
9. (( إن كلمة “intellectual” ليس لها في الحقيقة مقابل شائع باللغة العربية ، فهي بالطبع لا تعني المتعلم ولا حتى المثقف ، بل تشير إلى الانشغال المستمر ، أو شبة المستمر ، بأمور فكرية ، أو رؤية المشكلة الفكرية وراء أي حدث أو أو ظاهرة من أحداث و ظواهر الحياة اليومية ، مما عبر عنه تعبيرا طريفا كاتب إنجليزي كان يصف جورح أورويل ، فقال عنه إنه لا يمكنه أن يخرج المنديل من جيبه ليمسح أنفه دون أن تخطر بباله المشاكل الأخلاقية التي تثيرها صناعة المناديل!)) ص283
.
.
10. (( كم سررت عندما قرأت قولا لذلك الكاتب الأثير لدي جورج أورويل يفسر به إرساله لابنه بالتبني إلى مدرسة من المداراس الأرستقراطية و المسماة في إنجلترا Public Schools ، على الرغم من ميوله الاشتراكية و كراهيته للامتيازات الطبقية . قال أورويل تعليقا على ذلك : “نعم أن ضد نظام Public Schools و أؤيد إلغاءه ، ولكن طالما هو موجود سأظل أرسل ابني إلى مدرسة من هذه المدارس!” . لقد فهمت هذا القول بمعنى تفضيل الواقعية الكاملة على الاستسلام للشعارات المجردة ، و بمعني الاعتراف بأن قدرة المرء منا على أن يحدث بعمله المنقرد تغييرا مهما في النظام السائد قدرة محدودة جدا ، و أن قد تكون من الحماقة أن يضحي المرء بنفسه ، أو بمصالح شخصية مهمة له أو لأسرته ، في سبيل التمسك بمبدأ عام لا توجد أمامه فرصة جدية للتحقق في المدى المنظور.)) ص284
.
.
11. ((قال لي أستاذي روبنز مرة ، في حجرته بكلية لندن للاقتصاد ، إن الاشتغال بالتدريس به شبه بالزواج من امرأة دائمة الشباب . ولعله كان يقصد أن الأستاذ قد يستمر عاما بعد آخر في تدريس نفس المقرر لتلاميذ من نفس العمر ، فإذا به يجدد شبابه باستمرار من اتصاله المستمر بتلاميذ لا يشيخون أبدا.)) ص288
.
.
12. ((قد وجدت أن أفضل طريقة لفهم المشكلة المعقدة أن يضطر المرء إلى تدريسها ، إذ إن الطلبة رقباء ممتازون على درجة فهم الأستاذ لما يقول ، و هذا يجبر الأستاذ ، ما لم يكن نصابا ، على فعل المستحيل حتى يصبح قادرا على مواجهة أي سؤال لتوضيح ما يقوم بشرحه . و الأساتذة الذين يتجرأون على أن يتكلموا عن أشياء لا يحسنون فهمها صنف نادر ، و العادة ينفضح أمرهم . تتصل بذلك ميزة أخرى هي الابتكار ، والاهتداء إلى أفكار جديدة . فالمحالولة المستمرة للتعمق في الفهم استعدادا لمواجهة التلاميذ كثيرا ما تقود الأستاذ إلى أفكار جديدة قد يكون بعذها ذات قيمة.))ص289
.
.
13. ((إذ بدت المحافظة على الاستقلال الثقافي تكاد أن تكون مرادفة للمحافظة على الشخصية بل و على البقاء ، وبدت لي التنمية بالمعنى الاقتصادي الضيق أقل أهمية بكثير ، و بدت مهمة إصلاح المعوج في الاقتصاد أسهل بكثير من مهمة إصلاح المعوج في الميدان الثقافي.)) ص313
.
.
14. ((بقدر ما زادت أهمية الموسيقى و الغناء و الرقص لدى هذا الجيل من الأولاد و البنات ، بالمقارنة بجيلي عندما كنا في مثل سنهم ، قلت أهمية السياسة و ضعف بشدة الاهتمام بالشؤون العامة و القومية . و أظن أن الظاهرتين مترابطتان . فإذا كانت المتعة ، بل و المتعة الحالة هي الهدف ، فما هي بالظبط جدوى الانشغال بالسياسة و بالأمور العامة و القومية؟ هذه الأمور السياسية و القومية تتعلق في نهاية الأمر بالتزام أخلاقي ، ولكن المرء منا مسؤول عن نفسه فقط.)) ص360
.
.
15. ((أعرف الآن أن زيادة المعلومات كثيرا ما تؤدي إلى تقليل الفهم بدلا من زيادته ، خاصة إذا قدمت إلينا على النحو الذي تقدمها به إلينا عادة وسائل الإعلام : أخبار سريعة و غير مترابطة و خالية في معظم الأحيان من أي تحليل ، و تختلط فيها المعلومات الهامة بغير الهامة ، الضرورية مع غير الصرورية . لقد اكتشفت أيضا بعد سنوات كثيرة ، أن أكثر الكتب أيضا من هذا النوع الذي يعطيك من المعلومات أكثر بكثير مما يعطيك من التحليل و الفهم ، وأن هذا التحيل ، إذا وجد ن نادرا ما ينصب على الجوهري و المهم ، ونادرا ما يجيب على الأسئلة التي كنت تنتظر أن يجيب عليها ، ومن ثم نادرا ما يزيد من فهمك لشيء تريد فهمه.)) ص382
.
.
16. ((لجورج أورويل قول طريف يعرف فيه الكتاب الجيد بأنه “الكتاب الذي يقول لك ما كنت تعرفه من قبل” . إنه إذا ليس الكتاب الذي يضيف إلى معلوماتك ، فهذا النوع من الكتب لا يقول لك ما كنت تعرفة بالفعل ، ولكنه الكتاب الذي يدعم فهمك لبعض الأمور ، وقد ينظم هذا الفم و يرتبه ، فيزيد من وضوح هذا الفهم في ذهنك ، ومن ثقتك بصحته .)) ص383
تعليقي على بعض الاقتباسات :
- في اقتباس رقم (10) : الثبات على المبادئ و التضحية في سبيلها بالأسرة و المال و النفس ، ليست في الغالب حماقة .
- في اقتباس (12) : أتفق مع الكاتب و بشدة .
- في اقتباس (16) : ليس شرط على أن يكون كل كتاب يمدنا بالمعرفة هو كتاب ليس بجيد ، فكتب المصادر مثلا هي كتب جيدة ، ومع ذلك فإنها تخلو من التفكير.
- يوجد اقتباس لم أورده فوق ، يتحدث فيه الكاتب عن الدين و موضوع التمسك بالمعاني و علاقتها بالطقوس . فأنا أختلف اختلاف جذري معه في هذه الناحية ، فالطقوس الدينية يجب أن تؤدى و إن لم نشعر بفائدتها نحن كبشر قاصر . (وجب التنويه)
في النهاية ، أنصح الكل بقراءة الكتاب ، صغارا و كبارا ، وحتى من لم يعرف القراءة ، فليستمع للكتاب !
تقييمي للكتاب : 10/10
قراءة ممتعة
